السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ

تَرْجَمَةُ البَيَانِ الصَّادِرِ عن بَيْتِ العَدْلِ الأعْظَمِ

 والموجَّه إلى شعوب العالم


مقدّمــة

إنَّ بيت العدل الأعظم هو أَعلى مؤسّسة في الجامعة البهائيّة. ويُنتخب كلّ خمس سنوات في مؤتمرٍ عالميّ. ويدير الشّؤون الإداريّة ونشاطات الجامعة البهائيّة التي تشمل ملايين عدّة من البهائيّين المنتشرين في جميع أنحاء العالم.

    "إنَّ العقيدة البهائيّة هي دين عالميّ مستقلّ. وهي تعلن الطّابع الضّروري الذي لا مناص منه لاتّحاد الجنس البشريّ... كما تطلب من المؤمنين به، كواجب أوّليّ، البحث المستقلّ – أي التّحري عن الحقيقة. ويدين كلّ أشكال التّعصّبات والأوهام.  وتعلن أنَّ الغاية من الدّين هو أنّه ينبغي على الدّين أن يُعلي المحبّة والوفاق ويؤكد أنَّ الدّين ينبغي أن يكون منسجماً انسجاماً تاماً مع العلم – وأنَّه واحد من أهمّ عوامل السّلام والتّقدم المقدّر للمجتمع الإنسانيّ – كما يؤكّد وبدون لبْس، مبدأ المساواة بين الرّجال والنّساء في الحقوق والواجبات والإمكانات والامتيازات.  ويُشدِّد على مبدأ التّعليم الإلزاميّ ونبذ حدود الفقر المدقع والغنى الفاحش – وإلغاء المؤسّسة الكهنوتيّة ومنع الرّقّ وحياة التّقشف والتّسوُّل والحياة النّسكيّة.

وتفرض العقيدة البهائيّة الزّوجة الواحدة ولا تشجّع على الطّلاق وتشدِّد على ضرورة الطّاعة التّامة للحكومات. كما يحثّ الدّين البهائيّ على سموّ كلّ عمل منجز بروح الخدمة والدّعاء والتّعبد – كما يشجّع على خلق أو انتقاء لغة عالميّة إضافيّة.

وأخيراً تحدّد هذه العقيدة هيكليّة المؤسّسات التي ينبغي عليها أن تؤسّس ومن ثم تُرسِّخ السّلام العام للإنسانيّة".

تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٨٥

إلى شعوب العالم،

إنَّ السّلام العظيم الذي اتَّجهت نحوه قلوب الخَيِّرين من البشر عبر القرون، وتَغَنَّى به ذَوو البصيرة والشّعراء في رؤاهم جيلاً بعد جيل، ووعدت به الكتب المقدًّسة للبشر على الدّوام عصراً بعد عصر، إنًّ هذا السّلام العظيم هو الآن وبعد طول وقت في متـناول أيدي أمم الأرض وشعوبها.  فلأوّل مرّة في التّاريخ أصبح في إمكان كلّ إنسان أن يتطلّع بمنظارٍ واحد إلى هذا الكوكب الأرضيّ بأسره بكلّ ما يحتوي من شعوب متعدِّدة مختلفة الألوان والأجناس.  والسّلام العالميّ ليس ممكناً وحسب، بل إِنّه أمر لا بدَّ أن يتحقّق، والدّخول فيه يمثِّل المرحلة التّالية من مراحل التّطوّر التي مرَّ بها هذا الكوكب الأرضيّ، وهي المرحلة التي يصفها أحد عظماء المفكّرين بأنها مرحلة "كَوكَبَة الجنس البشريّ".

        إنَّ الخيار الذي يواجه سكّان الأرض أجمع هو خيار بين الوصول إلى السّلام بعد تجارب لا يمكن تخيُّلها من الرُّعْب والهَلَع نتيجة تشبُّث البشريّة العنيد بأنماطٍ من السّلوك تَقادَم عليها الزّمن، أو الوصول إليه الآن بِفعْلِ الإرادة المنبثـقة عن التّشاور والحوار.  فعند هذا المنعطَف الخطير في مصير البشر، وقد صارت المعضلات المستعصية التي تواجه الأمم المختلفة هَمّاً واحداً مشتركاً يواجه العالم بأسره – عند هذا المنعطف يصبح الإخفاق في القضاء على موجة الصّراع والاضطراب مخالفاً لكلّ ما يُمليه الضّمير وتقصيراً في تحمُّل المسؤوليّات.

على أن ثمة ملامح إيجابيّة تدعو إلى التّفاؤل، ومنها التّزايد المُطَّرِد في نفوذ تلك الخطوات الحثيثة من أجل إحلال النّظام في العالم، وهي الخطوات التي بُوشِر باتّخاذها مبدئيّاً في بداية هذا القرن عبر إنشاء عُصْبَة الأمم، ومن بعدها هيئة الأمم المتّحدة ذات القاعدة الأكثر اتِّساعاً.  ومن الملامح الإيجابيّة أيضاً أَنَّ أغلبيّة الأمم في العالم قد حقَّقت استقلالها في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثّانية، مِمَّا يشير إلى اكتمال المرحلة التّاريخيّة لبناء الدّول، وأَنَّ الدّول اليافعة شاركت قريناتها الأقدم عهداً في مواجهة المسائل التي تهمّ كلّ الأَطراف.  ثم هناك ما تَبعَ ذلك من ازدياد ضخم في مجالات التّعاون بين شعوب ومجموعات، كانت من قَبْلُ منعزلةً متخاصمة، عبر مشاريع عالميّة في ميادين العلوم والتّربية والقانون والاقتصاد والثّقافة.  يُضاف إلى كلّ هذا قيام هيئات إنسانيّة عالميّة في العقود القريبة الماضية بأعدادٍ لم يسبق لها مثيل، وانتشار الحركات النّسائيّة وحركات الشّباب الدّاعية إلى إنهاء الحروب، ثم الامتداد العَفْوي المتوسِّع لشبكات مُتـنوِّعة من النّشاطات التي يقوم بها أُناس عاديّون لخلق التّفاهم عبرالاتصال الشّخصيّ والفرديّ.

إنَّ ما تحقّق من إنجازات علميّة وتقنيّة في هذا القرن الذي أُسبِغَتْ عليه النِّعَم والهِبات بصورةٍ غير عاديَّة، يَعِدُنا بطَفْرَةٍ تَقَدُّميّةٍ عُظْمَى في مضمار التّطور الاجتماعيّ لهذا الكوكب الأرضيّ، ويدلّ على الوسائل الكفيلة بحلّ المُشكلات الواقعيّة التي تُعاني منها الإنسانيّة.  وتُوفِّر هذه الإنجازاتُ بالفعل الوسائلَ الحقيقيّة التي يمكن بها إدارةُ الحياة المُعقَّدة في عالمٍ مُوَحَّد.  إِلاّ أَنَّ الحواجز لا تزال قائمة.  فالأمم والشّعوب، في علاقاتها بعضها مع بعض، تكتـنفها الشّكوك، وانعدام التّفهّم، والتّعصّب، وفقدان الثّقة، والمصالح الذّاتيّة الضّيِّقة.

ففي هذه البُرْهة المناسِبة يَجْدُر بنا نحن أُمناءَ بَيْتِ العَدْلِ الأَعْظَم، مدفوعين بمَا يُمْلِيه علينا شُعورُنا العميق بالتِزاماتـنا الأدبيَّة وواجِباتـنا الرّوحيّة، أَنْ نُلفِت أَنظار العالم إلى البَيَانات النّيِّرة النّافذة التي وجَّهها لأَوَّل مرَّة بهاءالله مؤسِّس الدّين البهائي إِلى حُكَّام البشر قبل نَيِّف وقرن من الزمان.

فقد كتب بهاءالله "إِنَّ رياح اليأس تهبّ من كلّ الجهات، ويستشري الانقلاب والاختلاف بين البشر يوماً بعد يوم، وتبدو علامات الهَرْجِ والمَرْج ظاهرة، فأسباب النّظام العالميّ الرّاهن باتت الآن غير ملائمة".  وتؤكّد التّجاربُ المشتركة التي مَرَّت بها البشريّة هذا الحُكْم الذي حَمَلَ النّبوءَة بما سَيَحْدُث.  فالعيوب التي يشكو منها النّظام العالميّ القائم تبدو جليَّةً واضحة المعالم في عَجْز الدُّوَل المنتمية إلى الأمم المتّحدة – وهي دول ذات سيادة – عن طرْد شَبَح الحرب، وفي ما يُهدِّد العالم من انهيار نظامه الاقتصاديّ، وفي انتشار موجة الإرهاب والفَوْضَى، وفي المعاناة القاسية التي تجلبها هذه وغيرها من المِحَن لملايينٍ متزايدة من البشر.  وحقيقة الأمر، أنّ الكثير من الصّراع والعدوان أصبح من خصائص أنظمتـنا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدّينيّة، وبلغ حدَّاً قاد العديد من النّاس إلى الاستسلام للرّأي القائل بأنَّ الإنسان فُطِرَ بطبيعته على سلوك طريق الشّرّ وبالتّالي فلا سبيل إلى إزالة ما فُطِرَ عليه.

وبتأصُّل هذا الرّأي في النّفوس والتّمسُّك به، نتج تـناقُضٌ وَلَّد حالةً من الشّلل أصابت شؤون البشر؛ فمن جهة لا تعلن شعوب كلّ الدّول عن استعدادها للسّلام والوِئام فحسب، بل وعن تشوُّقها إليهما لإنهاء حالة الفَزَع الرّهيبة التي أحالت حياتها اليوميّة إلى عذاب.  ومن جهة أُخرى نجد أنَّ هناك تسليماً لا جدل فيه بالافتراض القائل إنَّ الإنسان أَنانيٌّ، مّحِبٌّ للعدوان ولا سبيل إلى إصلاحه، وبناءً عليه فإنه عاجزٌ عن إقامة نظامٍ اجتماعيٍّ مسالمٍ وتقدُّميٍّ، مُتحرِّك ومنسجم في آنٍ معاً، يُتيح أقصى الفُرَص لتحقيق الإبداع والمبادرة لدى الفرد، ويكون في ذات الوقت نظاماً قائماً على التّعاون وتبادل المنافع.

وبازدياد الحاجة المُلِحَّة لإحلال السّلام، بات هذا التـناقض الأساسيّ الذي يُعيق تحقيق السّلام يُطالبنا بإعادة تقييم الافتراضات التي بُنِيَ على أساسها الرّأيُ السّائد حول هذا المَأزِق الذي واجه الإِنسان عبر التّاريخ.  فإِذا ما أُخضِعَت المسألة لبَحْثٍ مُجرَّد عن العاطفة تَكَشَّف لنا البرهان والدّليل على أنّ ذلك السّلوك بعيد كلّ البُعْد عن كونه تعبيراً عن حقيقة الذّات البشريّة، وأّنه يُمثِّل صورة مُشوَّهة للنّفس الإنسانيّة.  وعندما تَتِمُّ لدينا القناعة حول هذه النّقطة، يصبح في استطاعة جميع النّاس تحريكُ قُوىً اجتماعيّة بَنَّاءةً تُشجِّع الانسجام والتّعاون عِوَضاً عن الحرب والتّصارع، لأنّها قوى منسجمة مع الطّبيعة الإنسانيّة.

إِنَّ اختيار مثل هذا النَّهْج لا يعني تجاهلاً لماضي الإنسانيّة بل تفهُّماً له.  والدّين البهائيّ ينظر إلى الاضطرابات الرّاهنة في العالم، والظّروف المُفجِعة التي تَمُرُّ بها الشّؤونُ الإنسانيّة على أَنَّها مرحلةٌ طبيعيّةٌ من مراحل التّطوُّر العُضْويّ التي تقود في نهاية الأمر، بصورةٍ حَتميّة، إلى وحدة الجنس البشريّ ضمن نظامٍ اجتماعيٍّ واحد، حدودُه هي حدود هذا الكوكب الأرضيّ.  فقد مرّ الجنس البشريّ، كوحدة عضويّة مُتميِّزة، بمراحل من التّطور تُشبِه المراحل التي تُصاحب عادةً عهد الطّفولة والحداثة في حياة الأفراد.  وها هو يمرّ الآن في الحِقبة الختاميّة للمرحلة العاصفة من سنوات المراهقة، ويقترب من سنّ الرُّشْد التي طال انتظار بلوغها.

إِنَّ الإِقرار صراحةً بأَنَّ التّعصّب والحرب والاستغلال لا تُمثِّل سِوَى مراحل انعدام النُّضج في المَجْرَى الواسع لأَحداث التّاريخ، وبأَنَّ الجنس البشريّ يمرّ اليوم باضطرابات حَتْميَّة تُسجِّل بلوغ الإنسانيّة سنَّ الرُّشْد الجماعيّ – إِنَّ مثل هذا الإقرار يجب ألاَّ يكون سبباً لليأس، بل حافزاً لأَنْ نأخذ على عواتقنا المهمّة الهائلة، مهمّة بناء عالم يعيش في سلام.  والموضوع الذي نحثُّكم على درسه وتَقَصِّيه هو أَنَّ هذه المهمة مُمْكِنَةُ التّحقيق، وأَنَّ القوى البَنَّاءة اللازمة مُتوفِّرة، وأَنَّ البُنْيات الاجتماعيّة المُوحَّدة يمكن تشييدها.

ومهما حملت السّنوات المقبلة في الأجَل القريب من معاناة واضطراب، ومهما كانت الظّروف المباشرة حالكة الظّلام، فإِنَّ الجامعة البهائيّة تؤمن بأنَّ في استطاعة الإنسانيّة مواجهةَ هذه التّجربة الخارقة بثقةٍ ويقينٍ من النّتائج في نهاية الأمر.  فالتّغييرات العنيفة التي تـندفع نحوها الإنسانيّة بسرعةٍ متزايدة لا تشير أبداً إلى نهاية الحضارة الإنسانيّة، وإنَّما من شأنها أن تُطلِق "القُدُرات الكامنة في مقام الإنسان"، وتُظهِر "سُمُوّ ما قُدّر له على هذه الأرض" وتَكْشِف عن "ما فُطِرَ عليه من نفيس الجوهر".

إِنَّ النِّعَم التي اختُصَّ بها الإنسان مُمَيِّزةً إِيّاه عن كلّ نوع آخر من المخلوقات يمكن تلخيصها في ما يُعرف بالنّفس البشريّة، والعَقْلُ هو الخاصيّة الأساسيّة لهذه النّفس.  ولقد مَكَّنَتْ هذه النِّعَمُ الإنسان من بِناء الحضارات، وبلوغ الرّفاهيّة والازدهار الماديّ، لكنّ النّفس البشريّة ما كانت لتكتفي بهذه الإنجازات وَحْدَها. فهذه النّفس بحُكم طبيعتها الخفيًّة تَوَّاقَةٌ إلى السّموّ والعلاء، تتطلّع نحو رِحاب غير مرئيّة، نحو الحقيقة الأسمى، نحو هذا الجوهر الذي لا يمكن إدراك سِرِّه، جوهر الجواهر الذي هو الله سُبْحانَه وتَعَالى.  فالأديان التي نُزِّلت لهداية الجنس البشريّ بواسطة شموسٍ مُشْرِقةٍ تَعاقَبَتْ على الظّهور كانت بمثابة حَلْقة الوَصْل الرّئيسيّة بين الإنسان وتلك الحقيقة الأسمى.  وقد شَحَذت هذه الأديان قدرة الإنسان وهَذَّبتها لِيُتَاحَ له تحقيق الإنجازات الرّوحيّة والتّقدّم الاجتماعيّ في آنٍ معاً.

وليس في إمكان أيّة محاولة جدِّية تهدف إلى إصلاح شؤون البشر، وتسعى إلى إحلال السّلام العالميّ، أن تتجاهل الدّين. فلقد حاك التّاريخُ إلى حدٍّ بعيد نسيجَ ردائه من مفهوم الإنسان للأديان وممارستِهِ لها.  وقد وصف أَحد المؤرِّخين البارزين الدّين بأنه "إحدى قدرات الطّبيعة الإنسانيّة"، ومما يَصْعب إنكاره هو أَنَّ إفساد هذه القدرة قد أَسهم في خَلْق كثيرٍ من البلبلة والاضطراب في المجتمع الإنسانيّ، وزَرَعَ الصّراع والخصام بين أفراد البشر وفي نفوسهم.  كما أَنَّه ليس في إمكان أيّ شاهد مُنْصِف أن ينتقص من الأثر البالغ للدّين في المظاهر الحضاريّة الحيويّة، يُضاف إلى ذلك، أَنَّ الأثر المباشِر للدّين في مجالات التّشريع والأخلاق قد برهن تِباعاً على أنّه عاملٌ لا يمكن الاستغناء عنه في إقرار النّظام في المجتمع الإنسانيّ.

فقد كتب بهاءالله عن الدّين كعامل اجتماعيّ فعّال قائلاً: "إِنَّه السّبب الأعظم لنَظْم العالم واطمئنان من في الإمكان".  وأَشار إلى أُفول شمس الدّين أو فساده بقوله: "فلو احتجب سِراج الدّين لتطرَّق الهرج والمرج وامتـنع نَيِّر العدل والإنصاف عن الإشراق وشمسُ الأمن والاطمئنان عن الإِنوار". والآثار البهائيّة تُقرِّر في تَعْدادها وحَصْرها للنتائج المُترتِّبة على مثل هذا الفساد بأنَّ "انحراف الطّبيعة الإنسانيّة، وانحطاط السّلوك الإنسانيّ، وفساد النُّظُم الإنسانيّة وانهيارها، تَظْهر كلّها في مثل هذه الظّروف على أبشع صورة وأكثرها مَدْعَاةً للاشمئزاز.  ففي مثل هذه الأحوال ينحطّ الخُلُق الإنسانيّ، وتتزعزع الثّقة، ويتراخى الانتظام، ويَخْرَس الضّمير، ويغيب الخجل والحياء، وتـندثر الحشمة والأدب.  وتعوجّ مفاهيم الواجب والتّكاتف والوفاء والإخلاص وتَخْمُد تدريجيّاً مشاعر الأمل والرّجاء، والفرح والسّرور، والأمن والسّلام".

إِذن، فإذا كانت الإنسانيّة قد وصلت إِلى هذا المنعطف من الصّراع الذي أصابها بحالة من الشّلل، فإنّه بات لِزاماً عليها أنْ تثوب إلى رشدها، وتـنظر إلى إِهمالها، وتُفكِّر في أمر تلك الأصوات الغَاوية التي أَصْغَتْ إِليها، لكي تكتشف مصدر البلبلة واختلاف المفاهيم التي تُروَّج باسم الدّين.  فأولئك الذين تمسّكوا لمآرب شخصيّة تمسُّكاً أعمى بحَرْفيَّةِ ما عندهم من آراء خاصة مُتزمِّتَة، وفرضوا على أتباعهم تفسيرات خاطئة متـناقضة لأقوال أنبياء الله ورسله – إِنَّ أولئك يتحمّلون ثِقْل مسؤوليّة خلق هذه البلبلة التي ازدادت حِدَّةً وتعقيداً بِمَا طرأ عليها من حواجز زائفة اختُلِقت لتَفْصِلَ بين الإيمان والعقل، وبين العِلم والدّين.  وإذا راجعنا بكلّ تجرُّد وإنصاف ما قاله حقّاً مؤسِّسو الأديان العظيمة، وتَفَحَّصْنا الأوساط التي اضطُرّوا إلى تـنفيذ أعباء رسالاتهم فيها، فلن نجد هناك شيئاً يمكن أن تَسْتـند إِليه النّزاعاتُ والتّعصّباتُ التي خَلَقت البلبلة والتّشويش في الجامعات الدّينيّة في العالم الإنسانيّ وبالتّالي في كافّة الشّؤون الإنسانيّة.

فالمبدأ الذي يفرض علينا أن نُعامِلَ الآخَرين، كما نُحِبّ أن يُعامِلَنا الآخَرون، مبدأٌ خُلُقِيّ تكرَّر بمختلف الصّور في الأديان العظيمة جميعاً، وهو يؤكّد لنا صِحَّة الملاحظة السّابقة في ناحيتَيْن مُعيَّنتَيْن: الأُولَى، أنّه يُلخِّص اتِّجاهاً خُلُقِيّاً يختصّ بالنّاحية التي تؤدّي إلى إحلال السّلام، ويمتدّ بأصوله عبر هذه الأديانِ بغَضّ النّظر عن أماكن قيامها أو أوقات ظهورها، والثّانية، أنّه يشير إلى ناحيةٍ أُخْرَى هي ناحية الوحدة والاتِّحاد التي تُمثِّل الخاصيّة الجوهريّة للأديان، هذه الخاصيّة التي أَخْفَقَ البشر في إدراك حقيقتها نتيجةَ نَظْرَتهم المُشوَّهة إلى التّاريخ.

فلو كانت الإنسانيّة قد أدركت حقيقة أولئك الذين تولَّوا تربيتها في عهود طفولتها الجماعيّة كمُنفِّذين لمسيرِ حضارةٍ واحدة، لجَنَتْ دون شكّ من الآثار الخَيِّرة، التي اجتمعت نتيجة تَعَاقُب تلك الرّسالات، محصولاً أكبر من المنافع التي لا تُحْصَى ولا تُعَدّ.  ولكن الإنسانيّة فَشِلَت، ويا للأسف، في أن تفعل ذلك.

إِنَّ عودة ظهور الحَمِيَّة الدّينيّة المُتطرِّفة في العديد من الأقطار لا تعدو أن تكون تشنُّجاتِ الرَّمَق الأخير.  فالماهيّة الحقيقيّة لظاهرة العنف والتّمزُّق المتَّصلة بهذه الحميّة الدّينيّة تشهد على الإفلاس الرّوحيّ الذي تُمثِّله هذه الظّاهرة.  والواقع أَنَّ من أغرب الملامح الواضحة وأكثرها مدعاةً للأسف في تفشِّي الحركات الرّاهنة من حركات التّعصّب الدّينيّ هي مدى ما تقوم به كلّ واحدة منها ليس فقط في تقويض القِيَم الرّوحيّة التي تسعى إلى تحقيق وحدة الجنس البشريّ، بل وتلك الإنجازات الخُلُقِيّة الفريدة التي حقَّقها كلّ دين من هذه الأديان التي تدّعي تلك الحركات أنّها قائمة لخدمة مصالحها.

ورَغْمَ ما كان للدّين من قوّة حيويّة في تاريخ الإنسانيّة، ورغم ما كان لظهور الحميّة الدّينيّة أو حركات التّعصّب المتَّصفة بالعنف من آثارٍ تُثير النّفوس، فقد اعتبر عددٌ متزايدٌ من البشر، حِقَباً طويلةً من الزّمن، أنَّ الأديان ومؤسَّساتها عديمةُ الفائدة ولا محلّ لها في الاهتمامات الرّئيسيّة للعالم الحديث.  وبدلاً من الاتِّجاه نحو الدّين اتَّجه البشر إِمّا نحو لَذَّة إشباع أطماعهم الماديّة، أو نحو اعتـناق مذاهب عقائديّة صَنَعَها الإنسان بُغْيَةَ إِنقاذ المجتمع الإنسانيّ من الشّرور الظّاهرة التي يَنُؤ بحَمْلِها.  ولكنّ المؤسف أنّ مذاهب عقائديّة متعدِّدة اتَّجهت نحو تأليه الدّولة، ونحو إخضاع سائر البشر لسَطْوَة أُمَّةٍ واحدة من الأُمَم، أو عِرْقٍ من الأعراق، أو طَبَقَةٍ من الطّبقات، بَدَلَ أن تَتَبَنَّى مبدأ وحدة الجنس البشريّ، وبَدَلَ أن تعمل على تـنمية روح التّآخي والوئام بين مختلف النّاس. وباتت تسعى إلى خَنْق كلّ حوار ومَنْع أي تَبادُل للرّأي أو الفكر، وذهبت إلى التّخلِّي دون شفقة عن الملايين من الذين يموتون جوعاً تاركةً إِيّاهم تحت رحمة نظام سوق المعاملات التّجاريّة الذي يزيد بوضوحٍ من حدَّة المحنة التي يعيشها معظم البشر، بينما أَفسحت المجال لِقطاعات قليلة من النّاس لأن تتمتَّع بتَرَفٍ وثراءٍ قلَّما تصوَّرهما أسلافنا في أحلامهم.

فكم هو فاجعٌ سِجِلُّ تلك المذاهب والعقائد البديلة التي وضعها أولو الحكمة الدُّنيويّة من أهل عصرنا.  ففي خِضَمِّ خَيْبَة الأمل الهائلة لدى مجموعات إنسانيّة بأسرها، لُقِّنت الأماثيل لتتعبَّد عند محاريب تلك المذاهب، نَستقرئ عِبْرَة التّاريخ وحُكْمَه الفاصل على قِيَم تلك العقائد وفوائدها.  إِنَّ المحصول الذي جَنَيْنَاه من تلك العقائد والمذاهب هو الآفات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي نُكِبت بها كلّ مناطق عالمنا في هذه السّنوات  الختاميّة من القرن العشرين، وذلك بعد انقضاء عقودٍ طويلة من استغلالٍ متزايد للنّفوذ والسّلطة على يد أولئك الذين يَدينون بما حققوه من سُؤدَد وصعود في مجالات النّشاطات الإنسانيّة إلى تلك العقائد والمذاهب.  وترتكز هذه الآفات الظّاهريّة على ذلك العَطَب الرّوحيّ الذي تعكسه نَزْعَة اللاّمُبالاة المستَحْوِذةُ على نفوس جماهير البشر في كلّ الأُمم، ويعكسه خمود جَذْوَة الأمل في أفئدة الملايين مِمَّنْ يُقاسون اللَّوْعَة والحرمان.

لقد آنَ الأوانُ كي يُسأل الذين دَعَوا النّاس إلى اعتـناق العقائد الماديّة، سواءً كانوا من أهل الشّرق أو الغرب، أو كان انتماؤهم إلى المذهب الرّأسماليّ أو الاشتراكيّ – آنَ الأوان ليُسأل هؤلاء ويُحاسَبوا على القيادة الخُلُقِيّة التي أخذوها على عواتقهم.  فأَيْنَ "العالم الجديد" الذي وعَدَت به تلك العقائد؟ وأَين السّلام العالميّ الذي يُعلِنون عن تكريس جهودهم لخدمة مبادئه؟ وأين الآفاق الجديدة في مجالات الإنجازات الثّقافيّة التي قامت على تعظيم ذلك العِرق، أو هذه الدّولة، أو تلك الطّبقة الخاصّة؟ وما السّبب في أنَّ الغالبيّة العُظْمَى من أهل العالم تـنزلق أكثر فأكثر في غياهب المجاعة والبؤس في وقتٍ بات في متـناول يد أولئك الذين يتحكَّمون في شؤون البشر ثرواتٌ بَلَغَت حدَّاً لم يكن لِيَحْلُم بها الفراعنة، ولا القياصرة، ولا حتى القوى الاستعماريّة في القرن التّاسع عشر؟

إِنَّ تمجيد المآرب الماديّة – وهو تمجيد يُمثِّل الأصول الفكريّة والخصائص المشتركة لكلّ تلك المذاهب – إِنَّ هذا التّمجيد على الأخصّ هو الذي نجد فيه الجذور التي تُغذِّي الرّأي الباطل الذي يدَّعي بأنَّ الإِنسان أنانيٌّ وعدوانيٌّ ولا سبيل إلى إصلاحه.  وهذه النّقطة بالذات هي التي يجب جلاؤها إذا ما أردنا بناء عالم جديد يكون لائقاً بأولادنا وأحفادنا.

فالقول بأنّ القِيَم الماديّة قد فشلت في تلبية حاجات البشريّة كما أَثبتت التّجاربُ التي مَرَّت بنا، يفرض علينا أَنْ نعترف بصدق وأمانة أَنَّه أصبح لِزاماً الآن بَذْلُ جَهْدٍ جديد لإيجاد الحلول للمشكلات المُضْنِية التي يُعانيها الكوكب الأرضيّ.  فالظّروف التي تحيط بالمجتمع الإنسانيّ، وهي ظروف لا تُطاق، هي الدّليل على أَنَّ فَشَلنا كان فشلاً جماعيّاً بدون استثناء، وهذه الحالة إِنَّما تُذْكِي نَعْرَة التّزمُّت والإصرار لدى كلّ الأطراف بَدَلَ أن تُزيلها.  فمن الواضح إذَن أنَّ هناك حاجة مُلِحَّة إلى مجهودٍ مشترك لإصلاح الأمور وشفاء العِلَل.  فالمسألة أساساً مسألةُ اتِّخاذ مَوْقِف.  وهنا يَتَبادَر إلى الأذهان السّؤال التّالي: هل تستمرّ الإنسانيّة في ضلالها مُتمسِّكة بالأفكار البالية والافتراضات العقيمة؟ أم يَعْمِد قادتها متَّحدين، بِغَضِّ النّظر عن العقائد، إلى التّشاوُر فيما بينهم بعزيمةٍ ثابتة بحثاً عن الحلول المناسبة؟

ويجدُر بأولئك الذين يهمّهم مستقبل الجنس البشريّ أن يُنْعِموا النّظر بالنّصيحة التّالية: "إذا كانت المُثُل التي طال الاعتزاز بها، والمؤسَّسات التي طال احترامُها عبر الزّمن، وإذا كانت بعض الفروض الاجتماعيّة والقواعد الدّينيّة قد قَصَّرت في تـنمية سعادة الإنسان ورفاهيته بوجهٍ عامّ، وباتت عاجزةً عن سدّ احتياجات إنسانيّة دائمةِ التّطوّر، فَلِتـندثِرْ وتَغِبْ في عالم النّسيان مع تلك العقائد المُهْمَلة البالية.  ولماذا تُستثنَى من الاندثار الذي لا بدّ أن يُصيب كلّ مؤسّسة إنسانيّة في عالمٍ يَخْضَع لقانونٍ ثابت من التّغيير والفَنَاء.  إِنًّ القواعد القانونيّة والنّظريًّات السّياسيّة والاقتصاديّة وُضِعت أصلاً من أجل المحافظة على مصالح الإنسانيّة ككلّ، وليس لكي تُصْلَب الإنسانيّة بقصد الإبقاء على سلامة أي قانون أو مبدأ أو المحافظة عليه".

إِنَّ حَظْرَ الأسلحة النَّوويّة، وتحريم استعمال الغَازات السّامّة، ومنع حرب الجراثيم، إنَّ كلّ ذلك لن يُزيل الأسباب الجَذريَّة لاندلاع الحروب.  ورغم وضوح أهميَّة هذه الإجراءات العمليّة كعناصر لمسيرة السّلام، فهي في حدّ ذاتها سَطحيَّة بحيث أَنَّها لن تكون ذات أثرٍ دائم.  فالبشر يتمتَّعون بالبراعة لدرجةِ أَنَّه باستطاعتهم إِن أرادوا خَلْق وسائل أخرى لشنّ الحروب.  فبإِمكانهم استخدام الأغذية، أو الموادّ الخام، أو المال، أو القوّة الصناعيّة، أو المذاهب العقائديّة، أو الإرهاب، أسلحةً يَطْغَى بها الواحد منهم على الآخر في صراع لا نهاية له طَمَعاً في السّيطرة والسّلطان.  كما أنَّه من غير الممكن إصلاح الخَلَل الهائل في الشّؤون الإنسانيّة الرّاهنة عن طريق تسوية الصّراعات الخاصّة والخلافات المُعيَّنة القائمة بين الدّول.  لقد أصبح من الواجب إِيجاد إطارٍ عالميّ حقيقي واعتمادُه لإصلاح الخلل.

ومن المؤكَّد أنّ قادة العالم يُدرِكون أَنَّ المشكلة في طبيعتها عالميّةُ النّطاق، وهي واضحة المعالم في جملة القضايا المُتراكِمة التي يُواجِهونها يوماً بعد يوم.  وهناك أَيضاً الأبحاث والحلول المطروحة التي تتكدَّس أمامهم من قِبَل العديد من المجموعات الواعية المُهتمَّة بهذه القضايا ومن وكالات الأمم المتّحدة، ممّا لا يَدَع لأحدٍ منهم مجالاً لعدم الإِلمام بالمَطالب التي تتحدَّاهم والتي لا بُدَّ من مجابهتها.  إلاّ أَنَّ هناك حالةً من شلل الإرادة.  وهذه الحالة هي بيت القصيد والمسألة التي يجب بحثها بعناية ومعالجتها بكلّ عزم وإصرار. فحالة الشّلل هذه تَجِد جذورها – كما سبق أن ذكرنا – في ذلك الاعتقاد الرّاسخ بأن البشر جُبِلوا على التَّصارُع فيما بينهم وأَنَّ هذه نَزْعَةٌ لا يمكن تلافِيها.  ولقد ترتَّب على هذا الاعتقاد تردُّدٌ في إعارة أيّ التفاتٍ إلى إمكانيَّة إخضاع المصالح الوطنيّة الخاصة لمُتطلَّبات النّظام العالميّ، وترتَّب عليه أَيضاً نَوْعٌ من انعدام الرّغبة في اتِّخاذ مَوْقِفٍ شُجاع يقضي بقبول النّتائج البعيدة المدى النّاجمة عن تأسيس سلطةٍ عالميّة مُوحَّدة.  وفي الإمكان أيضاً تلمُّس حالة الشّلل هذه في أَنَّ جماهير غفيرة من البشر لا تزال إلى حدّ بعيد، رازحةً تحت وَطْأَة الجهل والاستعباد، وعاجزةً عن الإفصاح عن رغباتها في المطالبة بنظامٍ جديد يَضْمَن لها العيش مع البشر كافّة في سلامٍ ووئامٍ ورخاء.

إِنَّ الخطوات التّجريبيّة التي اتُّخِذت في سبيل تحقيق النّظام العالميّ، وخاصةً تلك التي تمّ اعتمادها منذ